المسعودي

285

مروج الذهب ومعادن الجوهر

يسكن بطيسون ( 1 ) ، وذلك بغربي المدائن من أرض العراق ، فسكن سابور في الجانب الشرقي من المدائن ، وبنى هناك الإيوان المعروف بإيوان كسرى إلى هذه الغاية ، وقد كان أبرويز بن هرمز أتم مواضع من بناء هذا الإيوان ، وقد كان الرشيد نازلًا على دجلة بالقرب من الإيوان ، فسمع بعض الخدم من وراء السرادق يقول لآخر : هذا الذي بنى هذا البناء ابن كذا وكذا ، أراد أن يصعد عليه إلى السماء ، فأمر الرشيد بعض الأستاذين من الخدم أن يضربه مائة عَصاً ، وقال لمن حضره : إن الملك نسبة ، والملوك به إخوة ، وإن الغيرة بعثتني على أدبه لصيانة الملك ، وما يلحق الملوك للملوك . وذكر عن الرشيد بعد القبض على البرامكة أنه بعث إلى يحيى ابن خالد بن برمك ، وهو في اعتقاله ، يشاوره في هدم الإيوان ، فبعث اليه : لا تفعل ، فقال الرشيد لمن حضره : في نفسه المجوسية ، والحنو عليها ، والمنع من إزالة آثارها ، فشرع في هدمه ، ثم نظر فإذا يلزمه في هدمه أموال عظيمة لا تضبط كثرة ، فأمسك عن ذلك ، وكتب إلى يحيى يعلمه ذلك ، فأجابه بأن ينفق في هدمه ما بلغ من الأموال ، ويحرص على فعله ، فعجب الرشيد من تنافي كلامه في أوله وآخره ، فبعث اليه يسأله ( 2 ) عن ذلك ، فقال : نعم ، أما ما أشرتُ به في الأول فإني أردت بقاء الذكر لأمة الإسلام وبعد الصيت ، وأن يكون من يردُ في الأعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان يرى مثل هذا البنيان العظيم ، فيقول : إن أمة قهرت أمة هذا بنيانها فأزالت رسومها واحتوت على ملكها لأمة عظيمة شديدة منيعة ، وأما جوابي الثاني فأخبرت أنه قد شرع في هدمه ثم عجز

--> ( 1 ) وفي نسخة « بطيسبون » . ( 2 ) في بعض النسخ « ليسأله » .